الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
79
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
انقراض نظام هذا العالم ، وإقبال عالم الحياة الخالدة والبعث . وقرأ الجمهور نُسَيِّرُ بنون العظمة . وقرأ ابن كثير وابن عامر ، وأبو عمرو ويوم تسير الجبال بمثناة فوقية ببناء الفعل إلى المجهول ورفع الْجِبالَ . والخطاب في قوله : وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً لغير معين . والمعنى : ويرى الرائي ، كقول طرفة : ترى جثوتين من تراب عليهما * صفائح صمّ من صفيح منضد وهو نظير قوله : فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ [ الكهف : 49 ] . والبارزة : الظاهرة ، أي الظاهر سطحها ، إذ ليس عليها شيء يستر وجهها من شجر ونبات أو حيوان ، كقوله تعالى : فَإِذا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ [ النازعات : 14 ] . وجملة وَحَشَرْناهُمْ في موضع الحال من ضمير تَسِيرُ على قراءة من قرأ بنون العظمة ، أو من الفاعل المنوي الذي يقتضيه بناء الفعل للنائب على قراءة من قرأ تَسِيرُ الْجِبالُ بالبناء للنائب . ويجوز أن نجعل جملة وَحَشَرْناهُمْ معطوفة على جملة نُسَيِّرُ الْجِبالَ على تأويله ب ( نحشرهم ) بأن أطلق الفعل الماضي على المستقبل تنبيها على تحقيق وقوعه . والمغادرة : إبقاء شيء وتركه من تعلق فعل به ، وضمائر الغيبة في حَشَرْناهُمْ و مِنْهُمْ - وَعُرِضُوا عائدة إلى ما عاد إليه ضمير الغيبة في قوله : وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا [ الكهف : 45 ] . وعرض الشيء : إحضاره ليرى حاله وما يحتاجه . ومنه عرض الجيش على الأمير ليرى حالهم وعدتهم . وفي الحديث « عرضت عليّ لأمم » وهو هنا مستعار لإحضارهم حيث يعلمون أنهم سيتلقون ما يأمر اللّه به في شأنهم . والصف : جماعة يقفون واحدا حذو واحد بحيث يبدو جميعهم لا يحجب أحد منهم أحدا . وأصله مصدر ( صفهم ) إذا أوقفهم ، أطلق على المصفوف . وانتصب صَفًّا على الحال من واو عُرِضُوا . وتلك الحالة إيذان بأنهم أحضروا بحالة الجناة الذين لا يخفى منهم أحد إيقاعا للرعب في قلوبهم . وجملة وَعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ معطوفة على جملة وَحَشَرْناهُمْ ، فهي في موضع